×
أحوال السياسة أحوال السياسة
الحوكمة هي الحل

الحوكمة هي الحل

04.02.2026

خاص – جريدة (مرآة الأحوال) — أعادت مشاركة وفد سوري في قمة الويب (Web Summit) بالدوحة فتح نقاش يتجاوز الحدث ذاته ليطال سؤالاً أعمق يتصل بطبيعة الدولة وإدارتها لملف التمثيل الخارجي: هل تدار المشاركات الدولية بوصفها حضور رمزي أم كجزء من سياسة مؤسسية قائمة على المعايير والكفاءة؟

الجدل الذي انفجر على منصات التواصل لم يكن في جوهره اعتراضاً على مبدأ المشاركة أو الانفتاح الدولي بقدر ما كان تعبيراً عن قلق متراكم من (غياب الشفافية) وترك ملف حساس كهذا مُبهماً دون تفسير رسمي واضح.

وفي ظل الصمت الرسمي تبرز كل الشياطين التي تسكن التفاصيل، ويصبح الباب مشرعاً أمام التكهنات والتأويلات والأسئلة: من اختار ولماذا تم اختيار من اختير، بأي صفة، وما الذي استفاده الشعب السوري من مشاركة هذا الوفد…بماذا عاد إلى الناس في الداخل؟ وغيرها من الأسئلة.

بين طبيعة الحدث وتركيبة الوفد

قمة الويب واحدة من أبرز المنصات العالمية المعنية بمستقبل الإنترنت، الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال. لذلك فإن أي تمثيل رسمي يفترض أن يعكس انسجاماً واضحاً بين طبيعة الحدث وخلفيات الممثلين لا بوصف ذلك ترف شكلي بل بوصفه ضرورة تتصل بصورة الدولة ومصداقيتها.

ولهذا لم تنطلق الانتقادات من رفض الأشخاص بحد ذاتهم بقدر ما انطلقت من سؤال بسيط لم يجب عنه:

 

ما هي المعايير المعتمدة في الاختيار؟
وما طبيعة الدور الذي يؤديه كل عضو في وفد يفترض أنه تقني رقمي بالدرجة الأولى؟

 

أصوات الجدل: بين النقد والدفاع… وغياب الإطار

عبر عدد من الناشطين والصحفيين عن قلقهم بصيغ مختلفة معتبرين أن غياب التفسير الرسمي سمح بتحويل المشاركة إلى مادة للتجريح أو الاستقطاب وطالبوا ببيان بسيط يوضح الخلفيات والأهداف بدل ترك النقاش يتشعب بين اتهامات بالمحسوبية ودفاعات غير موثقة.

 

بالمقابل رأى آخرون أن مجرد الحضور السوري في قمة دولية بهذا الحجم يعد إنجازاً بحد ذاته ورسالة رمزية عن عودة سوريا إلى فضاءات النقاش العالمي وأن التركيز على الأسماء قد يضعف قيمة المشاركة ويغفل بعدها السياسي والمعنوي.

لكن بين الموقفين بقيت المشكلة الأساسية بلا معالجة غياب الإطار المؤسسي الواضح الذي يحول المشاركة من حدث جدلي إلى سياسة عامة مفهومة يمكن الدفاع عنها بوضوح لا بالتخمين

 

لماذا يشتعل الناس سريعاً؟
ببساطة، لأن ذاكرة الإقصاء ليست بعيدة

في سوريا حساسية المجتمع تجاه العدالة تأتي من تاريخ ثقيل وتجارب طويلة من إدارة الشأن العام خارج منطق المعيار لذلك حين يرى الناس تكرار المشهد وجوه تتكرر، قرارات بلا معيار تتشكل قناعة مؤلمة بأن الدولة لم تتعلم بعد كيف تفصل بين الوظيفة العامة والدائرة الخاصة

وحين تتكرر المشاركة بلا تفسير بنفس الوجوه هنا لا يعود النقاش إعلامياً فقط بل نفسياً واجتماعياً مرتبطاً بإحساس الناس بظلم و بأن الدولة لا تمثلهم جميعاً بالقدر نفسه

فكلما ضاقت دائرة الاختيار اتسع الجدل… وكلما اتسعت دائرة المعايير ضاقت مساحة الشك

من الإنصاف فهم زاوية الدولة… دون تبرير الخلل

ومع ذلك من الإنصاف أن نقرأ زاوية أخرى في المشهد: زاوية الدولة نفسها وهي تتحرك تحت ضغط المخاطر فالدولة السورية اليوم تعمل ضمن بيئة شديدة الحساسية معارك مفتوحة استحقاقات أمنية وضغوط سياسية ومواجهات مع مشاريع انفصالية وفي مثل هذه الظروف تميل دول كثيرة إلى الاعتماد على الدائرة الأقرب بوصفها دائرة ثقة خوفاً من الاختراق أو الانقلاب أو التفكك الداخلي وهو هاجس ليس نظرياً إذ شهدت دول عربية بعد انتصار الثورات اضطرابات وانقلابات وصدامات داخلية حين تشققت الثقة بين الدولة ومؤسساتها ومع كثرة المتربصين وتعدد خطوط الضغط يصبح القرار محكوماً أحياناً بمنطق التحصين لا بمنطق الانفتاح…وتتحول الحساسية الأمنية إلى ذريعة تضعف المعايير وتمنح خصوم الدولة مادة جاهزة للطعن في شرعيتها المؤسسية بدل أن تحصنها

الحوكمة: المعنى الذي يغلق أبواب التأويل

كثيرون يستخدمون كلمة حوكمة كمصطلح مستورد لا علاقة له بواقعنا لكن الحوكمة في جوهرها معنى بسيط :

قواعد واضحة تسبق القرار، وتفسير مسؤول يرافق القرار، ومساءلة شفافة تراجع القرار

وحين ننقل هذا المعنى إلى ملف التمثيل الخارجي تصبح الحوكمة إجابة عملية عن كل الأسئلة التي فجرها الجدل:

ما معيار الاختيار؟ (اختصاص، دور، هدف)

ما طبيعة التمثيل؟ (تقني، إعلامي، سياسي، تشبيك)

ما مهمة الوفد؟ (ماذا يريد أن يحقق؟)

ما الذي تحقق فعلًا؟ (نتائج قابلة للقياس)

بهذه السلسلة وحدها تتوقف الحوكمة عن كونها كلمة أنيقة في الخطابات وتصبح نظاماً قابل للمحاسبة يضبط القرار ويمنحه شرعية العقل لا شرعية القرب والدائرة المقربة 

من عمر إلى الأندلس: معيار واحد يصنع دولة

التاريخ يقدم درس الدول تبدأ بالتآكل حين تتحول المناصب من أمانة إلى غنيمة … في التجربة الإسلامية المبكرة لم يكن عمر بن الخطاب يسأل: من أقرب؟ بل: من أصلح؟ وحين قال: «من ولّى رجلاً لمودة أو قرابة فقد خان الله ورسوله» كان يضع قاعدة 

الخيانة هنا  تعريف سياسي لإهدار الأمانة لأن المنصب تكليف للمصلحة العامة لا مكافأة للعلاقات فإذا قدم القريب لمجرد القرب على الأصلح انقلب معيار الدولة من استحقاق إلى مجاملة 

وفي تجارب لاحقة من الدولة الأموية إلى العباسية ومن روما المتأخرة إلى الأندلس كان التفكك الداخلي و تغييب المعايير وإقصاء الكفاءات لحساب دوائر ضيقة حتى صار الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للدولة سبب من اسباب الضعف والانهيار فيما بعد فالبعد الداخلي لا يقل قيمة عن العسكري والسياسي ….

ومع اختلاف الأزمنة يبقى الجوهر واحد المحاباة تُنتج هشاشة

من يصل بلا معيار يخشى النقدويعتبر المساءلة تهديد وهنا تبدأ الدولة بالدوران في حلقة دفاع لا تنتهي بدل أن تكون في مسار بناء وتطوير….

 

 التمثيل الخارجي عقد ثقة

التمثيل في المحافل الدولية هو رسالة سيادية ومعرفية عقد ثقة بين الدولة والمجتمع حين تدار المشاركات بمعايير وشفافية تتحول إلى قوة ناعمة وفرص تشبيك وبناء صورة وطنية وحين تدار بلا حوكمة تتحول إلى مادة للجدل ثم إلى نزيف ثقة ثم إلى هشاشة لا تظهر فوراً… لكنها تتراكم….

الدولة ضرورة نعم…. 

لكن الفرق بين دولة تبني ودولة تتآكل هو شيء واحد: المعيار

ومن المعيار تبدأ الحوكمة… ومن الحوكمة تبدأ الثقة بين المجتمع والدولة  وهنا يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:

إلى متى سيظل معيار من نثق به يسبق معيار من هو الأقدر قبل أن تدفع الدولة ثمن الثقة المغلقة من رصيدها عند الناس؟

الحوكمة هي الحل

خاص – جريدة (مرآة الأحوال) — أعادت مشاركة وفد سوري في قمة الويب (Web Summit) بالدوحة فتح نقاش يتجاوز الحدث ذاته ليطال سؤالاً أعمق يتصل بطبيعة الدولة وإدارتها لملف التمثيل الخارجي: هل تدار المشاركات الدولية بوصفها حضور رمزي أم كجزء من سياسة مؤسسية قائمة على المعايير والكفاءة؟

الجدل الذي انفجر على منصات التواصل لم يكن في جوهره اعتراضاً على مبدأ المشاركة أو الانفتاح الدولي بقدر ما كان تعبيراً عن قلق متراكم من (غياب الشفافية) وترك ملف حساس كهذا مُبهماً دون تفسير رسمي واضح.

وفي ظل الصمت الرسمي تبرز كل الشياطين التي تسكن التفاصيل، ويصبح الباب مشرعاً أمام التكهنات والتأويلات والأسئلة: من اختار ولماذا تم اختيار من اختير، بأي صفة، وما الذي استفاده الشعب السوري من مشاركة هذا الوفد…بماذا عاد إلى الناس في الداخل؟ وغيرها من الأسئلة.

بين طبيعة الحدث وتركيبة الوفد

قمة الويب واحدة من أبرز المنصات العالمية المعنية بمستقبل الإنترنت، الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال. لذلك فإن أي تمثيل رسمي يفترض أن يعكس انسجاماً واضحاً بين طبيعة الحدث وخلفيات الممثلين لا بوصف ذلك ترف شكلي بل بوصفه ضرورة تتصل بصورة الدولة ومصداقيتها.

ولهذا لم تنطلق الانتقادات من رفض الأشخاص بحد ذاتهم بقدر ما انطلقت من سؤال بسيط لم يجب عنه:

 

ما هي المعايير المعتمدة في الاختيار؟
وما طبيعة الدور الذي يؤديه كل عضو في وفد يفترض أنه تقني رقمي بالدرجة الأولى؟

 

أصوات الجدل: بين النقد والدفاع… وغياب الإطار

عبر عدد من الناشطين والصحفيين عن قلقهم بصيغ مختلفة معتبرين أن غياب التفسير الرسمي سمح بتحويل المشاركة إلى مادة للتجريح أو الاستقطاب وطالبوا ببيان بسيط يوضح الخلفيات والأهداف بدل ترك النقاش يتشعب بين اتهامات بالمحسوبية ودفاعات غير موثقة.

 

بالمقابل رأى آخرون أن مجرد الحضور السوري في قمة دولية بهذا الحجم يعد إنجازاً بحد ذاته ورسالة رمزية عن عودة سوريا إلى فضاءات النقاش العالمي وأن التركيز على الأسماء قد يضعف قيمة المشاركة ويغفل بعدها السياسي والمعنوي.

لكن بين الموقفين بقيت المشكلة الأساسية بلا معالجة غياب الإطار المؤسسي الواضح الذي يحول المشاركة من حدث جدلي إلى سياسة عامة مفهومة يمكن الدفاع عنها بوضوح لا بالتخمين

 

لماذا يشتعل الناس سريعاً؟
ببساطة، لأن ذاكرة الإقصاء ليست بعيدة

في سوريا حساسية المجتمع تجاه العدالة تأتي من تاريخ ثقيل وتجارب طويلة من إدارة الشأن العام خارج منطق المعيار لذلك حين يرى الناس تكرار المشهد وجوه تتكرر، قرارات بلا معيار تتشكل قناعة مؤلمة بأن الدولة لم تتعلم بعد كيف تفصل بين الوظيفة العامة والدائرة الخاصة

وحين تتكرر المشاركة بلا تفسير بنفس الوجوه هنا لا يعود النقاش إعلامياً فقط بل نفسياً واجتماعياً مرتبطاً بإحساس الناس بظلم و بأن الدولة لا تمثلهم جميعاً بالقدر نفسه

فكلما ضاقت دائرة الاختيار اتسع الجدل… وكلما اتسعت دائرة المعايير ضاقت مساحة الشك

من الإنصاف فهم زاوية الدولة… دون تبرير الخلل

ومع ذلك من الإنصاف أن نقرأ زاوية أخرى في المشهد: زاوية الدولة نفسها وهي تتحرك تحت ضغط المخاطر فالدولة السورية اليوم تعمل ضمن بيئة شديدة الحساسية معارك مفتوحة استحقاقات أمنية وضغوط سياسية ومواجهات مع مشاريع انفصالية وفي مثل هذه الظروف تميل دول كثيرة إلى الاعتماد على الدائرة الأقرب بوصفها دائرة ثقة خوفاً من الاختراق أو الانقلاب أو التفكك الداخلي وهو هاجس ليس نظرياً إذ شهدت دول عربية بعد انتصار الثورات اضطرابات وانقلابات وصدامات داخلية حين تشققت الثقة بين الدولة ومؤسساتها ومع كثرة المتربصين وتعدد خطوط الضغط يصبح القرار محكوماً أحياناً بمنطق التحصين لا بمنطق الانفتاح…وتتحول الحساسية الأمنية إلى ذريعة تضعف المعايير وتمنح خصوم الدولة مادة جاهزة للطعن في شرعيتها المؤسسية بدل أن تحصنها

الحوكمة: المعنى الذي يغلق أبواب التأويل

كثيرون يستخدمون كلمة حوكمة كمصطلح مستورد لا علاقة له بواقعنا لكن الحوكمة في جوهرها معنى بسيط :

قواعد واضحة تسبق القرار، وتفسير مسؤول يرافق القرار، ومساءلة شفافة تراجع القرار

وحين ننقل هذا المعنى إلى ملف التمثيل الخارجي تصبح الحوكمة إجابة عملية عن كل الأسئلة التي فجرها الجدل:

ما معيار الاختيار؟ (اختصاص، دور، هدف)

ما طبيعة التمثيل؟ (تقني، إعلامي، سياسي، تشبيك)

ما مهمة الوفد؟ (ماذا يريد أن يحقق؟)

ما الذي تحقق فعلًا؟ (نتائج قابلة للقياس)

بهذه السلسلة وحدها تتوقف الحوكمة عن كونها كلمة أنيقة في الخطابات وتصبح نظاماً قابل للمحاسبة يضبط القرار ويمنحه شرعية العقل لا شرعية القرب والدائرة المقربة 

من عمر إلى الأندلس: معيار واحد يصنع دولة

التاريخ يقدم درس الدول تبدأ بالتآكل حين تتحول المناصب من أمانة إلى غنيمة … في التجربة الإسلامية المبكرة لم يكن عمر بن الخطاب يسأل: من أقرب؟ بل: من أصلح؟ وحين قال: «من ولّى رجلاً لمودة أو قرابة فقد خان الله ورسوله» كان يضع قاعدة 

الخيانة هنا  تعريف سياسي لإهدار الأمانة لأن المنصب تكليف للمصلحة العامة لا مكافأة للعلاقات فإذا قدم القريب لمجرد القرب على الأصلح انقلب معيار الدولة من استحقاق إلى مجاملة 

وفي تجارب لاحقة من الدولة الأموية إلى العباسية ومن روما المتأخرة إلى الأندلس كان التفكك الداخلي و تغييب المعايير وإقصاء الكفاءات لحساب دوائر ضيقة حتى صار الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للدولة سبب من اسباب الضعف والانهيار فيما بعد فالبعد الداخلي لا يقل قيمة عن العسكري والسياسي ….

ومع اختلاف الأزمنة يبقى الجوهر واحد المحاباة تُنتج هشاشة

من يصل بلا معيار يخشى النقدويعتبر المساءلة تهديد وهنا تبدأ الدولة بالدوران في حلقة دفاع لا تنتهي بدل أن تكون في مسار بناء وتطوير….

 

 التمثيل الخارجي عقد ثقة

التمثيل في المحافل الدولية هو رسالة سيادية ومعرفية عقد ثقة بين الدولة والمجتمع حين تدار المشاركات بمعايير وشفافية تتحول إلى قوة ناعمة وفرص تشبيك وبناء صورة وطنية وحين تدار بلا حوكمة تتحول إلى مادة للجدل ثم إلى نزيف ثقة ثم إلى هشاشة لا تظهر فوراً… لكنها تتراكم….

الدولة ضرورة نعم…. 

لكن الفرق بين دولة تبني ودولة تتآكل هو شيء واحد: المعيار

ومن المعيار تبدأ الحوكمة… ومن الحوكمة تبدأ الثقة بين المجتمع والدولة  وهنا يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:

إلى متى سيظل معيار من نثق به يسبق معيار من هو الأقدر قبل أن تدفع الدولة ثمن الثقة المغلقة من رصيدها عند الناس؟


شاهد أيضاً

جريدة مرآة الأحوال

أكمل القراءة ماذا يعني مشاركة سوريا لأول مرة في اجتماع رسمي للتحالف الدولي؟ 18.02.2026

ماذا يعني مشاركة سوريا لأول مرة في اجتماع رسمي للتحالف الدولي؟

مرآة الأحوال / أحوال السياسة

شاركت سوريا لأول مرة في 9 شباط الجاري باجتماع رسمي للتحالف الدولي المناهض لداعش، أقيم في العاصمة السعودية الرياض التي تترأس مع الولايات المتحدة القيادة المشتركة للتحالف، وذلك في خطوة تُعد مفصلية في مسار عودة دمشق إلى منظومة الأمن الدولي....